وهبة الزحيلي
196
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ تقديم الجار والمجرور للاختصاص ، أي إليه لا إلى غيره مرجعكم يوم القيامة . وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ . . حذف جواب « لو » للتهويل . أي لرأيت أمرا مهولا . نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ بينهما مشاكلة : وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى ، فإن اللّه تعالى لا ينسى ، وإنما المراد نترككم في العذاب ترك الشيء المنسي . المفردات اللغوية : وَقالُوا أي منكرو البعث . ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ غبنا فيها وبلينا وهلكنا ، بأن صرنا ترابا مختلطا بتراب الأرض لا نتميز منه . أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي أنبعث أو يجدد خلقنا ، والقائل أبي بن خلف ، وإسناده إلى جميعهم لرضاهم به . وهو استفهام إنكار غرضه الاستهزاء . بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ أي بل هم بالبعث جاحدون . قُلْ لهم . يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ أي يقبض أرواحكم ملك الموت ، حتى لا يبقى أحد منكم . ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ أي تعودون أحياء للحساب والجزاء ، فيجازيكم ربكم بأعمالكم . الْمُجْرِمُونَ الكافرون . ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ خافضوها ومطأطئوها حياء وخزيا . رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا أي يقولون : يا ربنا أبصرنا ما وعدتنا من البعث وسمعنا منك تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه . فَارْجِعْنا إلى الدنيا لنعمل صالحا فيها . إِنَّا مُوقِنُونَ الآن ، ولم يبق لنا شك بما شاهدنا ، ولكن لا ينفعهم ذلك ، ولا يرجعون . وجواب وَلَوْ تَرى . . محذوف تقديره : لرأيت أمرا فظيعا مهولا . وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها أي ما تهتدي به إلى الإيمان والعمل الصالح بالتوفيق له والاختيار من النفس . وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي أي ثبت قضائي وسبق الْجِنَّةِ الجن . فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي تقول لهم خزنة النار إذا دخلوها : ذوقوا العذاب بترككم الإيمان باليوم الآخر ، فهذا سبب العذاب . إِنَّا نَسِيناكُمْ تركناكم في العذاب ترك المنسي . وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ أي عذاب جهنم الدائم . بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الكفر وتكذيب الرسل . وقد كرر الأمر للتأكيد . وفي التعليل بأمرين : وهما الأفعال السيئة من التكذيب والمعاصي ، وترك التفكر في أمر الآخرة دلالة على أن كلا منهما يقتضي ذلك . المناسبة : بعد بيان الوحدانية ودليلها في قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ